قبل أَنْ يدقَّ جرس الالتحاق بصفوف الدّرس التقت ( حيزية ) بصديقتها ( زليخة ) وأخبرتها بالمفاجأة:
-هل قرأتِ إعلانَ الرحلةِ الَّتِي سَتُنَظِّمها مدرستُنا إلى مدينة الفاتح الكبير عقبة بن نافع..؟
قالت زليخة وهي تكاد تطير من الفرح:
-لا ، لا لم أقرأه .. ومتى تكون هذه الرّحلة ، فأنا مشتاقة من زمن طويل لزيارة هذه المدينة التاريخية العريقة، ورؤية آثار الفاتحين الكبار.. ؟
قالت ( حيزيّة ):
-بعد ثلاثة أيام ستكون الرحلةُ ومكانُك محجوزٌ مُسَبَّقًا ..
بعد ثلاثة أيّام كان الفوجُ المدرسي يدخل مدينةَ الفاتحِ الكبيرِ عقبةَ الفهري مستكشفا. كانت واحات النَّخيلُ تحيط بها مثلَ الإكليلِ من جميع الجهات، والجامع يتوسّطها فخما مهيبا شاهدا على تاريخ حافل بالبطولات والأمجاد ، وقد ارتفعت منارتُه شامخةً تطاول السّحب التي تجمّعت في يوم خريفي مضطرب ، وأفواج السّائحين لا تكاد تنقطع عن هذه المدينة السّاحرة ، من كلّ بِقاع الدّنيا.. !
وعند النزول من الحافلة، لفت انتباه ( زليخة ) أمرٌ غريب ، عددٌ من الزوار الأجانبِ ، توحي هيئتُهم بالريبة ، أخبرت بذلك صديقتها زليخةَ ، فوافقتها الرأيَ فتجاربهما السّابقة في التصدّي للدّخلاء من مهربي الأفناك في الصّحراء الكبرى علمتهما أشياء كثيرة..ولحسن الحظ كان ( بوزيان ) زميلهما في المدرسة ؛ مشاركا في الرّحلة أيضا ، فأبلغته حيزية وزليخة بشكوكهما، فقال لهما:
-اطمئنا ..سنرصد تحرّكاتهم ، وإذا تأكدت ظنونكما سنوقعُهم في الفخّ لا محالة.
كانت هناك مقابلَ المسجدِ القديم أطلالٌ عتيقةٌ ، لبيوت قديمة هجرها سكّانها منذ سنين، إلى الأحياء الحديثة، وقلّما يُلِمُّ بها السّائحون إلا من بعيد لالتقاط بعضِ الصُّور التذكارية، إلا أنّ (بوزيان) لمح سائحَين اثنين يدخلان إلى تلك الأطلال قَبْلَ صلاة الظهر بقليل، فتعجّبَ للأمر ، وأخذ الفضولُ يحدوه لاقتفاءٍ آثارهما ، وهو يتسلّلُ وراءهما سمع أصواتا خافتةً لرَجُلَين يتحاوران، قال أحدهما بلهجة فرنسية مكسّرة:
-صغار الأفناك التي جلبناها من ( ورقلة ) مخبأة أسفل هذا السُّور ، حيث لا يخطر على بال أحد أنّها توجد هنا ، ومقابلَ أعظمِ مسجدٍ في الجزائر.. !
قال الثاني بلكنة فرنسية واضحة:
-ومتى نخرجها من هنا .. فالمكان يَعُجُّ بالناس..؟
قال الأوّل: أنسب وقت عند انتهاء صلاة العشاء، حيث تَخِفُّ حركةُ المصلين، نضعها في (الباص) الذي جئنا فيه، ومن ثَمَّ نأخذها معنا في طريق العودة ، ولن يشك بنا أحدٌ ، ونحن ضمن الوفد السّياحي العالمي.
بعد صلاة العشاء كانت الصناديق التي خُبِئَتْ فيها الأفناك توضع في ( الباص )، بحذر شديد ، وفي تلك اللحظة تخرج خيزية وزليخة مع بوزيان من المسجد ، ويصرخون بكلّ قوّة:
-إلى أين يا سارقي الأفناك الأغبياء ..نحن لكما دوما بالمرصاد..
وتحت ذهول المفاجأة تُدوِّي صافرات سيّارات الشرطة وتحيط باللّصوص من كلّ مكان ، وتوضع أيديهم في الأصفاد ، وتحرَّر الأفناك الذهبية اللّون المهدّدة بالانقراض من قبضة تجار الفناء ، وتفرح فرقة ( حماة الأفناك) ويهنئ بعضهم بعضا لنجاحهم مرّة أخرى في حماية ثروات وطنهم الثمينة.
الأربعاء، 31 يوليو 2019
لصوص الأفناك فى مدينة الفاتح بقلم عبدالله لالي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
أقرا ايضا
-
أستغاااااااثة السيد رئيس الجمهورية اطال الله عمره السيد رئيس مجلس الوزراء معالي مستشار رئيس الجمهورية للشئون العسكرية ورئيس لج...
-
حيّ بن يقظان لابن طفيل: حين تولد الفلسفة من العزلة تُعدّ رواية حيّ بن يقظان واحدة من أعظم الأعمال الفلسفية في التراث الإسلامي، كتبها الفيلسو...
-
جليلة رضا شاعرة من الزمن الجميل ولدت جليلة رضا في الإسكندرية في الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة 1915. مصري وأم تركية، وكانت أصغر أخواتها. وكا...
-
من الحقائق التي لا جدال فيها الدور الفعال الذي تلعبه المركزية للتدريب في حل المشكلات التي تواجهه مسئولي التدريب ومما لا جدال فيه ايضا ان ال...
-
هي اميرة مصرية من الاسرة العلوية عرفت بحبها للعمل العام و التطوعي ، لها اسهاماتها العديدة في اعمال الخير ورعاية العلم كما كان لها صالون فكر...
-
(مصري عميد فى الشرطة الهولندية) بحب مصر قوى قوى قوى اكثر من اى شئ بالدنيا هكذا كان العميد المصرى الهولندى يردد وانا احدثه كابتن فريد مس...
-
الأفيون يوسف جوهر رائعة من روائع القصة القصيرة العربية أول مره ترفع على حلقات فى النت تدرس فى أقسام النقد بالجامعات المصرية والعربية ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق