الأحد، 17 نوفمبر 2024

الشاعرة جليلة رضا

جليلة رضا

شاعرة من الزمن الجميل

ولدت جليلة رضا في الإسكندرية في الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة 1915.

مصري وأم تركية، وكانت أصغر أخواتها. وكان والدها يعمل في سلك المحاكم الأهلية وينتقل بحكم عمله بين المدن والقرى في صعيد مصر، فبدأت تعليمها الأولي في مدرسة الفشن الأولية. وعندما رجعت الأسرة إلى الإسكندرية لحقت بمدرسة العروة الوثقى الابتدائية، ثم انتقلت إلى القاهرة فلحقت بالقسم الداخلي بمدرسة الراعي الصالح الفرنسية بشبرا. ومن هنا كانت فرصتها لإتقان اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة العربية، وتوغلت في قراءة الأدب والشعر الفرنسيين فظهرت ميولها الأدبية.

تزوجت رجلاً يعمل في سلك القضاء وأنجبت منه ابنة وابناً أصيب بمرض  لازمه طول حياته فأضفى ذلك على شعرها الحزن والأسى. وبعد أن انفصلت عنه تزوجت محمد السوادي صاحب مجلة السوادي ولكن المنية عاجلته مما عمق حزنَها، وقالت في المناسبتين شعراً.

توجهت بكل مشاعرها إلى إنتاج الشعر العربي وكانت قد بدأت بنظم مجموعة من الأغاني، وحدث أن جمعتها الصدف في مرضها سنة 1951 بطبيبها الشاعر د. إبراهيم ناجي واطلع على شيء من أشعارها فتهلل وقال وهو يكاد يقفز فرحاً: هذا شعر ناجي الصغير! ومن هنا كانت بدايتها ورحلتها في عالم الشعر.

وساعد على ذيوع شهرتها التقاؤها بالشاعر محمد الأسمر فنشر لها عدداً من قصائدها في صحيفة الزمان.

في سنة 1953 رحل د.إبراهيم ناجي عن الحياة فطلب منها شقيقه الأكبر محمد ناجي أن تلقي قصيدة في رثائه في رابطة الأدب الحديث. وهكذا غشيت المحافل الأدبية لتسهم فيها بأشعارها مما لفت إليها أنظار كبار النقاد.

قيل عنها

قال عنها مصطفى السحرتي: "إنها مفخرة بين لداتها من شاعرات المشرق العربي"،

وقال الأستاذ علي الجندي "إنها أشعر شواعر الإقليم الجنوبي، ويقصد بالإقليم الجنوبي مصر حيث إن هذا الحكم صدر أيام أن كانت الوحدة قائمة بين مصر وسوريا "

كما قرر الأستاذ كمال النجمي: "إن الشعر المصري المعاصر كانت بدايته عائشة التيمورية وقد بلغ غايته عند جليلة رضا "

وقال الأستاذ أنيس منصور" لقد تأخرت جليلة في نشر اعترافاتها كما تأخرت كثيراً في تقديرها حق قدرها فهي بكل المقاييس كبرى شاعرات العرب .

هذا وقد تأثرت جليلة بالثقافة الفرنسية خاصة،

من أهم من تأثرت بهم: فكتور هوجو، لامارتين، رامبو، بودلير. وقد ترجمت كثيراً من القصائد الفرنسية إلى العربية.

أهم الجمعيات التي اشتركت فيها: ندوة شعراء العروبة التي أسسها خالد الجرنوسي، رابطة الأدب الحديث، اتحاد الكتاب، لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، لجنة الشعر بالمجلس القومي التخصصي.

دواوينها الشعرية

دواوينها الشعرية هي:

اللحن الباكي، 1954

اللحن الثائر، 1956

الأجنحة البيضاء، 1959

أنا والليل، 1961

صلاة إلى الكلمة، 1975

العودة إلى المحارة، 1982
* لمن أغني -

ولها مسرحية شعرية بعنوان "خدش في الجرة" - 1969.

ولها رواية بعنوان "تحت شجرة الجميز" - 1975.

ولها دراسة بعنوان "وقفة مع الشعر والشعراء" تقع في جزأين .

كما سجلت سيرتها الذاتية في كتاب "صفحات من حياتي" صدر عام 1996.

حصلت على جائزة الدولة التشجيعية سنة 1983، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عن ديوانها "العودة إلى المحارة" في عام 1983. ممن كتبوا عنها: عبد المنعم خفاجي، ومصطفى السحرتي، وأنيس منصور، وعبد العزيز شرف.

مسلسل الوتد

"مسلسل الوتد"
القصه حقيقيه وقعت أحداثها بقرية شباس عمير بدسوق محافظة كفر الشيخ في فترة الخمسينات وتوفيت فاطمه تعلبه في عام 1970..

وجاءت الشخصية الحقيقية فاطمة تعلبة كما رواها خيري شلبي كاتب المسلسل، عن زوجة عمه واسمها الحقيقي فاطمة نوحاية نسبة إلى عائلة نوح في شباس عمير بمحافظة كفر الشيخ، والأحداث بها والشخصيات والأسماء هم عائلته فعلًا..

وكل ما روي بالعمل حدث بالفعل في الحقيقة، بخلاف بعض الأحداث حتى تناسب الدراما مثل شخصية الحاج درويش الذي قام بها الفنان يوسف شعبان هو في الحقيقة توفى قبل والدته بسنوات، وشخصية الأم كانت أرملة زوجها توفي وأبناءها كانو صغار وهي من تولت تربيتهم..

وُلد الكاتب خيري شلبي مؤلف العمل في قرية شباس عمير، وتأثر كثيرًا بشخصية زوجة عمه «فاطمة تعلبة» التي توفيت في السبعينيات، وأراد من رواية الوتد أن يحكي تاريخ عائلته، خاصة وأنه كان شديد التأثر بالقرية وأهلها ومشاكلها، وعندما سُئل نجيب محفوظ عن عدم كتابته عن هذه القرية، قال «كيف اكتب عن القرية وخيري شلبي موجود»...

ووصف خيري شلبي زوجة عمه، بأنها موسوعة في أصناف العطارة في دولابها القديم العديد من الزجاجات بها علاج لأي مرض وكانت لا تتقاضى أجر من أهل القرية لأنها كانت ميسورة الحال ولدى أولادها 10 فدادين...

الشاعر على محمود طه

علي محمود طه ..

أثر جمال الطبيعة على أشعاره

أتيح للشاعر الرومانس الكبير/  علي محمود طه بعد صدور ديوانه الأول «الملاح التائه» عام 1934م فرصة قضاء الصيف في السياحة في أوروبا يستمتع بمباهج الرحلة في البحر ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه أشعاره كانت مثار إعجاب الشعراء.

علي محمود طه من أعلام مدرسة أبولو التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي ويقول عنه أحمد حسن الزيات: «كان شابًّا منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك».

كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة. وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير. 

قال صلاح عبد الصبور في كتابه «على مشارف الخمسين»: قلت لأنور المعداوي: أريد أن أجلس إلى علي محمود طه. فقال لي أنور: إنه لا يأتي إلى هذا المقهى ولكنه يجلس في محل «جروبي» بميدان سليمان باشا.

 وذهبت إلى جروبي عدة مرات، واختلست النظر حتى رأيته.. هيئته ليست هيئة شاعر ولكنها هيئة عين من الأعيان. وخفت رهبة المكان فخرجت دون أن ألقاه، ولم يسعف الزمان.

يرى د. سمير سرحان ود. محمد عناني أن «المفتاح لشعر هذا الشاعر [علي طه] هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي..

 كان علي محمود طه أول من ثار على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى - كما يقول الدكتور محمد  حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. 

كان على محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا..».

لحِن وغنّى له الموسيقار محمد عبد الوهاب عددا من قصائده مثل **الجندول**، و**كليوباتره**، فلسطين. 

تأثر طه بشعراء الرمزية أمثال بودلير، ألفريد دي فيني، شيللي، وجون مانسفيلد.

وقد ترك أثرا كبيرا على الشعراء الذين جاؤوا بعده فقد كتب في جميع الأغراض التي شكلت ميداناً لغيره من الشعراء، كالغزل والرثاء والمدح والفلسفة والحكمة والتأمل. وتنوعت قوافيه وفنونه، لكن أكثر ما يشد القارئ هي تلك اللغة والصور الحسية التي يرسمها الشاعر في قصائده ناهيك عن تلك النزعة الرومانسية التي بدت غامرة في ديوانه الملاح التائه والذي كان صدى لرغبات له واهتماماتهم، فيقول:

أيّها الملاح قم واطو الشّراعا

لم نطو لجّة اللّيل سراعا

جدّف الآن بنا في هينة

وجهة الشّاطئ سيرا واتّباعا

فغدا يا صاحبي تأخذنا

موجة الأيّام قذفا واندفاعا

عبثا تقفو خطا الماضي الذي

خلت أنّ البحر واراه ابتلاعا

في هذه القصيدة (الملاح التائه) تتبدى وحشة الشاعر وخوفه من المجهول ورغبته الشديدة في اغتنام الفرصة والفوز بملذات الحياة قبل فوات الأوان.

أما قصائده الوطنية فهي كثيرة تكشف عمق التصاقه بوطنه وحبه له. ولعل قصيدة (بعد مائة عام) التي قيلت في ذكرى مرور مائة عام على وفاة محمد علي الكبير ما يكشف عن شدة تعلقه بمصر وبرموزها.

من هذه الروح وهذا الجبين

يضيء في مصر منار السنين

أشعة من بسمات المنى

ومن رجاء كالصباح المبين

ومن قوى مشبوبة كاللظى

عارمة لا تنثني، لا تلين

خطت بناء الملل ثم ارتقت

تبني له المجد الرفيع المكين

و لعل قصيدة الجندول التي غناها محمد عبد الوهاب وهي من أجمل القصائد في الشعر العربي الحديث بل أنها كانت السبب في شهرة الشاعر.

أين من عينيّ هاتيك المجالي ****** يا عروس البحر يا حلم الخيــــال

أين عشاقك سمّار الليالــــــي ****** أين من واديك يا مهد الجمــــــال

موكب الغيد وعيد الكرنفـــــال ****** وسري الجندول في عرض القـنال

بين كأس يتشهى الكـــــرم خمــــــــره

وحبيب يتمني الكـــــــأس ثغــــــــــره

يوسف جوهر

كاتب مصري، ولد في محافظة قنا في عام 1912، تخرج من كلية الحقوق عام 1935، وعمل لسنوات في مجال المحاماة، شارك في كتابة السيناريو والحوار لعشرات الأفلام المصرية، من أبرزها: (الروح والجسد، سماعة التليفون، مصطفى كامل، دايمًا معاك، الرجل الثاني). باﻹضافة لعمله السينمائي، كتب يوسف جوهر العديد من المجموعات القصصية والروايات. توفي في عام 2001 عن عمر ناهز 89 عامًا

الخميس، 14 نوفمبر 2024

شمس التبريزى وقواعد العشق الأربعون

شمس الدين التبريزي :

شاعر فارسي وعارف متصوف ، يُنسب إلى مدينة تبريز ويُعتبر المُعلم الروحي لمولانا جلال الدين الرومي . كتب ديوان التبريزي (الديوان الكبير) في العِشق الإلهي. 
قام برحلات إلى مدن عدة منها حلب، وبغداد، وقونية، ودمشق. أخذ التصوف عن ركن الدين السجاسي، وتتلمذ عليه جلال الدين الرومي. 
اعتكف شمس التبريزي، وجلال الدين الرومي أربعين يوماً في مدينة قونية لكتابة ( قواعد العشق الأربعون ) ، ثم قام شمس التبريزي بالفرار إلى دمشق قبل أن يعود إلى قونية.
وكان التبريزي أحد الدراويش وهو ابن الإمام علاء الدين، وقيل أنه قد راودته رؤى وهو في العاشرة من عمره ، فأخبر أباه بذلك لكنه لم يصدقه، وبعد مدة ترك منزله وبدأ يتنقل من مكان إلى آخر حتى قيل عنه بأنه لم ينم في مكان أكثر من ليلة واحدة فرط تجواله وترحاله. 
كان شمس التبريزي يكسب المال ويقتات من تفسير الأحلام وقراءة الكف، ولكن لم يكن أحد يصدق الرؤى التي قال أنها تراوده، وكانوا ينعتونه "بالمجنون". وادعى التبريزي بأنه كلم الله والملائكة في هذه الرؤى.
التقى التبريزي بالشاعر  الملقب آنذاك بـ "مولانا" وهو جلال الدين الرومي أثناء تجواله عام ١٢٤٤م، وتكونت بعد ذلك اللقاء صداقة غيرت مجرى حياة كل منهما ، حيث أن الرومي تحول من رجل دين عادي إلى شاعر يجيش بالعاطفة، وصوفي ملتزم، وداعية إلى الحب، ولكن عرى الصداقة الجميلة التي ربطت هذين الإثنين مع بعضهما البعض بدأت بالتفكك
 حتى انفصلا بشكل مأساوي بعد ما يقارب ثلاثة أعوام.
ووفقاً للتقاليد الصوفية، اختفى شمس التبريزي في ظروف غامضة فقيل أنه قُتل على يد تلاميذ جلال الدين الرومي لغيرتهم من علاقته مع الرومي؛ لكن بعض الأدلة تقول أن شمس التبريزي غادر مدينة قونية، وتوفي في خوي حيثُ دفن، وله ضريح هناك جنب نصب في حديقة تذكارية. وقد رُشح ضريحه ليكون أحد مواقع التراث العالمي لليونيسكو.

قواعد العشق الأربعون 

 القاعدة الأولى :

"إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا إنعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب لنا سوى الخوف والملامة فهذا يعنى أن قدراً كبيراً من الخوف والملامة يتدفق لقلوبنا، أما إذا رأينا الله مُفعماً بالمحبة والرحمة فإننا نكون 

القاعدة الثانية :

"إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس، فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيس. واجه، تحدَّ، وتغلب في نهاية المطاف على "النفس" بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله."

 القاعدة الثالثة:

"يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء، وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع رؤيته وهو قلب عاشق حقيقي، فلم يعش أحد بعد رؤيته، ولم يمت أحد بعد رؤيته، فمن يجده يبقَ معه إلى الأبد."

القاعدة الرابعة:

يتكون الفِكر والحب من مواد مختلفة، فالفكر يربط البشر في عُقَد لكن الحب يذيب جميع العُقَد. إن الفِكر حذِرٌ على الدوام وهو يقول ناصحاً: "احذر الكثير من النشوة" ؛  بينما يقول الحب:  "لا تكترث.  أقدِم على هذه المجازفة" 
وفي الوقت الذي لا يمكن للفكر فيه أن يتلاشى بسهولة، فإن الحب يتهدم بيسر، ويصبح ركاماً من تلقاء نفسه، لكن الكنوز تتوارى بين الأنقاض، بينما يخبئ القلبُ الكسيرُ كنوزاً.

 القاعدة الخامسة:

تنبع مُعظم مشاكل العالم من أخطاءَ لغوية، ومن سوء فهم بسيط. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مُطلقاً، وعندما تلج دائرة الحب تكون اللغة التي نعرفها قد عفا عليها الزمن. الشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات لا يمكن إدراكُه إلا بالصمت.
 

القاعدة السادسة:

الوحدة والخلوة شيئان مختلفان فعندما تكون وحيداً من السهل أن تخدع نفسك، ويخيَّل إليك أنك تسير على الطريق القويم، أما الخلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد، ولكن من الأفضل لك في نهاية الأمر أن تبحث عن شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقاً إلا في قلب شخص آخر، وبوجود الله في داخلك.
 
القاعدة السابعة:

مهما حدث في حياتك، ومهما بدت الأشياء مزعجة فلا تدخل ربوع اليأس. إن الله سيفتح درباً جديداً لك حتى لو بقيت الأبواب كلها موصدة. احمد ربَّك!  من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كل شيء على ما يرام. الصوفيُّ لا يحمد الله على ما منحه الله إياه فحسب؛ بل يحمده أيضاً على كل ما حرمه منه.
 
القاعدة الثامنة:

لا يعني الصّبر أن تتحمل المصاعب سلباً، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعنى الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صبرهم مطلقاً، لأنهم يعرفون إن الهلال يحتاج وقتاً لكي يصبح بدراً . لقد خلق الله المعاناة حتى تظهر السعادة من خلال نقيضها؛ فالأشياء تظهر من خلال  أضدادها، وبما أنه لا يوجد نقيض لله فإنه يظل خفياً.

القاعدة التاسعة :

لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل إمرئ طريقته الخاصة وصلاته .  إن الله لا يأخذنا بكلماتنا وإنما ينظر في أعماق قلوبنا، وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين؛ بل كونُ قلوبِنا صافيةً أم لا.

 القاعدة العاشرة :

لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك. فإذا سافرت في داخلك فسيكون بوسعك إجتياز العالم الشاسع وما وراءه.

القاعدة الحادية عشرة :

عندما تجد القابِلة أن الحُبلى لا تتألم أثناء المخاض، فإنها تعرف أن الطريق ليس سالكاً بعد لوليدها، وأنها لن تضع وليدها لهذا السبب فلِكي تولد نفس جديدة يجب أن يكون هناك ألم. وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد،  فالحب لا يكتمل إلا بالألم.

القاعدة الثانية عشرة  :

إن السعي وراء الحبّ يغيّرنا، وما من أحد يسعى وراء الحبّ إلا وينضج أثناء رحلته،  وما إن تبدأ رحلة البحث عن الحبّ، حتى تبدأ تتغيّر من الداخل ومن الخارج.

القاعدة الثالثة عشرة  :

يوجد مُعلمون مُزيفون وأساتذة مُزيفون في هذا العالم أكثر عدداً من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السُلطة وبين المعلمين الحقيقيين. المعلم الروحي الصادق لا يوجه إنتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مُطلقة أو إعجاباً تاماً مِنك؛ بل يساعدك على أن تُقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلميين الحقيقيين شفافون كالبلور، يَعبر نور الله من خلالهم.

 القاعدة الرابعة عشرة  :

لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك؛ بل دَع الحياة تعِش فيك، ولا تقلق إذا قلَبت حياتك رأساً على عقب فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدتَ عليه أفضل من الجانب الذى سيأتي؟

القاعدة الخامسة عشرة  :

إن الله مُنهمك في إكمال صُنعك من الخارج ومن الداخل. إنه مُنهمك بك تماماً وكُل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال، وكُل واحدٍ مِنا هو عبارة عن عمل فني غير مُكتمل يسعى جاهداً للإكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد مِنا على حِدة لأن البشرية لوحةٌ جميلة رسمها فنان ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.

القاعدة السادسة عشرة :

من السهولة بمكان أن تُحب إلهً يتصف بالكمال والنقاء والعظمة، لكن الأصعب من ذلك أن تُحب إخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم. تذكر إن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يُحبه فلا حكمة من دون حبّ. وما لم نتعلم كيف نُحب خلق الله، فلن نستطيع أن نُحب حقاً، ولن نعرف الله حقاً.
 
القاعدة السابعة عشرة :

إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل؛ أما القذارة الأخرى فإنها تزول بغسلها. وهناك نوع من القذارة لا يُمكن تطهيره بالماء النقي وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تدنس الروح. نستطيع أن نُطهر أجسامنا بالزُهد والصّيام،  لكن الحبّ وحده هو الذي يطهر قلوبنا.

القاعدة الثامنة عشرة :

يقبع الكون كله داخلك. كل شيء تراه حولك بما في ذلك الأشياء التي قد لا تُحبها وحتى الأشخاص الذين قد تحتقرهم أو تمقتهم يقبعون داخلك بدرجات متفاوته. لا تبحث عن الشيطان خارج نفسك أيضاً. فالشيطان ليس قوة خارقة تُهاجمك من الخارج؛  بل هو صوت عادي ينبعث من داخلك. فإذا تعرفت على نفسك تماماً، وواجهت بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق، عندها تبلغ أرقى أشكال الوعي، وعندما تعرف نفسك، فإنك ستعرف الله.

 القاعدة التاسعة عشرة :

إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فعليه أولاً أن يغير الطريقة التي يعامل بها نفسه. وإذا لم يتعلم كيف يحب نَفسه حباً كاملاً صادقاً، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يجعل الآخرين يحبونه، لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة سيشكر كل شوكة يلقيها الآخرون عليه فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريباً. كيف يمكن للمرء أن يلوم الآخرين لأنهم لا يحترمونه إذا لم يكن يعتبر نفسه جديراً بالإحترام؟
 
القاعدة العشرون :

لا تهتم إلى أين سيقودك الطريق؛ بل ركز على الخطوة الأولى فهي أصعب خطوة يجب أن تتحمل مسؤولياتها. وما أن تتخذ تلك الخطوة دَع كل شيء يجرِ بشكل طبيعى وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسِر مع التيار بل كن أنت التيار.

القاعدة الحادية والعشرون: 

لقد خلقنا جميعاً على صورته. ومع ذلك فإننا جميعاً مخلوقات مُختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الايقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون مُتشابهين، لخلقنا متشابهين. لذلك فإن عدم إحترام الإختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعني عدم إحترام النظام المقدس الذي أرساه الله. 

القاعدة الثانية والعشرون: 

عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة فإنها تُصبح غرفة صلاته. لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى الغرفة نفسها فإنها تُصبح خمارته. ففي كل شيء نفعله، قلوبنا هي المهمة لا مظاهرنا الخارجية. فالصوفيون لا يحكمون على الآخرين من مظهرهم أو مَن هُم. وعندما يُحدِّق صوفي في شخص ما، فإنه يغمض عينيه ويفتح عيناً ثالثة، العين التي ترى العالم الداخلي. 

القاعدة الثالثة والعشرون: 

ما الحياة إلا دين مؤقت، وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة. والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي. ومع ذلك فإما أن يفتتن البشر باللعبة أو يكسِروها بإزدراء ويرموها جانباً. في هذه الحياة، تحاشَ التطرف بجميع أنواعه لأنه سيحطم اتزانك الداخلي. فالصوفي لا يتصَرف بتطرف بل يظل مُتسامحاً ومعتدلاً على الدوام. 

القاعدة الرابعة والعشرون: 

يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله. إذ يقول الله "ونفختُ فيه من روحي" فقد خُلقنا جميعاً بدون استثناء لكي نكون خلفاء الله على الارض. فاسأل نفسك كم مرة تصرفت كخليفة له، هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كل مِنا اكتشاف الروح الإلهية في داخله حتى يعيش وفقها. 

القاعدة الخامسة والعشرون: 

إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحُلم بالجنة، لأنهما موجودتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نُحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره أو نحسد أو نحارب أحداً، فإننا نسقط مباشرةً في نار جهنم.
 
القاعدة السادسة والعشرون: 

لا ضرر ولا ضرار. كن رحيماً. لا تكن نماماً حتى لو كانت كلمات بريئة. لأن الكلمات التي تنبعث من أفواهنا لا تتلاشى بل تظل في الفضاء اللانهائي إلى ما لا نهاية، وستعود إلينا في الوقت المناسب. إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعاً. وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعاً نبتسم. 

القاعدة السابعة والعشرون: 

يُشبه هذا العالم جبلاً مكسواً بالثلج يردد صدى صوتك. فكل ما تقوله سواءً كان جيداً أم سيئاً، سيعود إليك على نحو ما. لذلك إذا كان هناك شخص يتحدث بالسوء عنك فإن التحدث عنه بالسوء بالطريقة نفسها يزيد الأمر سوءاً. وستجد نفسك حبيس حلقة مُفرغة من طاقة حقودة. لذلك انطق وفكر طوال أربعين يوماً وليلة بأشياء لطيفة عن ذلك الشخص. إن كل شيء سيصبح مختلفاً في النهاية لأنك سَتصبح مُختلفاً في داخلك. 

القاعدة الثامنة والعشرون: 

إن الماضي تفسير، والمستقبل وهم. إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل. بل إن الزمن يتحرك من خلالنا، وفي داخلنا في لوالب لا نهاية لها. إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود. 

القاعدة التاسعة والعشرون: 

لا يعني القدر أن حياتك محددة بقدر محتوم. لذلك فإن ترك كل شىء للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مُطلق. إن موسيقى الكون تَعُم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مُختلف. إن قَدرك هو المستوى الذي تَعزف فِيه لحنك. قد لا تغير آلتُكِ الموسيقية بل تُبدل الدرجة التي تجيد فيها العزف. 

القاعدة الثلاثون: 

إن الصوفي الحق هو الذي يَتَحمل الصّبر حتى لو إتُهم باطلاً. وتعرض للهجوم من جميع الجهات ولا يوجِّه كلمة نابية واحدة إلى أيٍّ من مُنتقديه والصوفي لا ينحي باللائمة على أحد. فكيف يمكن أن يوجد خصوم أو منافسون أو حتى "آخرون" في حين لا توجد "نفس" في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا "واحد "؟ 

القاعدة الحادية والثلاثون: 

إذا أردت أن تُقوّي إيمانك فيجب أن تكون ليّناً في داخِلك ولكي يشتد إيمانك، ويصبح صلباً كالصخرة، يجب أن يكون قلبك خفيفاً كالريشة. فإذا أُصِبنا بمرض، أو وقعت لنا حادثة أو تعرضنا لخسارة، أو أصابنا خوف بطريقة أو بأخرى، فإننا جميعاً نواجه الحوادث التي تُعلمنا كيف نصبح أقلَّ أنانيةً، وأكثرَ حكمةً، وأكثر عطفاً، وأكثر كرماً. ومع أن بعضنا يتعلم الدرس ويزداد رِقة وإعتدالاً، يزداد آخرون قسوة. إن الوسيلة التي تمكنك من الإقتراب من الحقيقة أكثر تكمن في أن يتسع قلبك لاستيعاب البشرية كلها، وأن يظل فيه مُتسع لمزيد من الحب. 

القاعدة الثانية والثلاثون: 

يجب ألا يحُول شيءٌ بين نفسك وبين الله، لا ائمة، ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أي وصيٍّ آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك لكن لا تفرضها على الآخرين. وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فمهما كانت العقيدة التي تعتنقها فهي ليست عقيدة جيدة. ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها لأنها تشوه رؤيتك. ليكن الله والله وحده دليلَك. تعلم الحقيقة، لكن احرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثاناً. 

القاعدة الثالثة والثلاثون: 

على الرغم من أن المرء في هذا العالم يُجاهد ليحققَ شيئاً ويُصبح شخصاً مهماً، فإنه سَيُخلِّف كلَّ شيءٍ بعد موته. إنك تهدف إلى بلوغ المرحلة العليا من العدم. عِش هذه الدنيا خفيفة وفارغة مثل الرقم صفر. إننا لا نختلف عن أصيص الزرع، فليست الزينة في الخارج بل الفراغ في داخلنا هو الذي يجعلنا نقف منتصبى القامة، فالوعي بالعدم، وليس ما نتطلع إلى تحقيقه، هو الذي يُبقينا نواصل الحياة. 

القاعدة الرابعة والثلاثون: 

لا يعني الإستسلام أن يكون المرء ضعيفاً أو سلبياً، ولا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر أو الإستسلام، بل على العكس تماماً. إذ تكمن القوة الحقيقية في الاستسلام - القوة المنبعثة من الداخل. فالذين يستسلمون للجوهر الإلهي في الحياة يعيشون بطمأنينة وسلام حتى عندما يتعرض العالم برمته إلى اضطراب تلو الآخر 

القاعدة الخامسة والثلاثون: 

في هذا العالم، ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل المتناقضات الصارخة، هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. ففي داخل كلٍّ منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله؛ وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال، مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية، ويستلزم وجود نظيره: الكفر. 

القاعدة السادسة والثلاثون: 

لقد خُلق هذا العالم على مبدأ التبادل؛ فكلّ امرئ يُكافأ على كلِّ ذرة خير يفعلها، ويعاقب على كلِّ ذرة شرّ يفعلها. لا تخف من المؤامرات، أو المكر، أو المكائد التي يحيكها الآخرون؛ وتذكّر أنه إذا نصب لك أحدُهم شرَكاً، فإن الله يكون قد فعل ذلك. فهو المخطط الأكبر، إذ لا تتحرك ورقة شجرة من دون عِلمه. آمِنْ بذلك ببساطة وبصورة تامة. فكلّ ما يفعله الله يفعله بشكل جميل. 

القاعدة السابعة والثلاثون: 

إن الله ميقاتيٌّ دقيق. إنه دقيق إلى حد أن ترتيبه وتنظيمه يجعلان كل شيءٍ على وجه الأرض يتم في حينه. لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة. والساعة تمشي بدقة شديدة بالنسبة للجميع بلا استثناء، ولكل شخص وقت للحب ووقت للموت. 

القاعدة الثامنة والثلاثون: 

ليس من المتأخر مطلقاً أن تسأل نفسك، هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها؟ هل أنا مستعد لتغيير نفسي من الداخل حتى لو كان قد بقيَ من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه؟ في كل لحظة، ومع كل نفَس جديد، على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانية. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة هي أن يموت قبل الموت. 

القاعدة التاسعة والثلاثون: 

مع أن الأجزاء تتغير فإن الكل يظل ذاته. لأنه عندما يغادر هذا العالمَ لصٌّ، يولد لص جديد، وعندما يموت شخص شريف، يحل مكانه شخص شريف آخر. وبهذه الطريقة لا يبقى شيء من دون تغيير؛ بل لا يتغير شيءٌ أبداً أيضاً. لأنه مقابل كلِّ صوفيٍّ يموت، يولد صوفي آخر في مكان ما في هذا العالم. إن ديننا هو دين العشق وجميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب فإذا إنفصلت حلقة منها حلت محلها حلقة أخرى في مكان آخر. إن الأسماء تتغير، تأتي، وتذهب لكن الجوهر يبقى ذاته. 

القاعدة الأربعون: 

لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تُريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي. فالإنقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الإنقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقي وبسيط. "العشق ماء الحياة، والعشيق روح من النار" ويُصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النار الماء.

أقرا ايضا