نقطة التحول من الزهد الإسلامي إلى التصوف الفلسفي الوجداني.
أبو يزيد البسطامي (ت 261هـ/874م تقريبًا)
أحد كبار أقطاب التصوف الإسلامي في القرنين الثالث الهجري/التاسع الميلادي، واسمه طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى البسطامي، ويُنسب إلى مدينة بَسْطام في خراسان (إيران اليوم). ويُعد من أوائل من عبّروا عن التجربة الصوفية تعبيرًا ذاتيًا عميقًا، حتى عُدّ مؤسس ما يسميه الباحثون بـ التصوف الوجداني أو السُّكري، في مقابل التصوف الزهدي الهادئ الذي مثّله الحسن البصري والجنيد البغدادي.
أولًا: عصره والبيئة الفكرية
عاش البسطامي في زمن كانت الحضارة الإسلامية قد بلغت فيه مرحلة نضج علمي وفكري؛
فقد ازدهرت علوم الفقه والحديث والكلام، واشتدت المناظرات بين المعتزلة وأهل الحديث، وظهرت حركة ترجمة الفلسفة اليونانية. وفي هذا الجو المليء بالعقل والجدل، ظهر تيار آخر يميل إلى التجربة الروحية المباشرة، أي معرفة الله بالقلب لا بالبرهان.
وكان الناس آنذاك يعرفون الزهد: ترك الدنيا خوفًا من الحساب.
لكن البسطامي نقل الزهد إلى مرحلة أخرى: المحبة والفناء، أي عبادة الله لا خوفًا ولا طمعًا، بل شوقًا إليه.
ثانيًا: حياته ونشأته
لا نملك سيرة مفصلة دقيقة لحياته؛ فالمتصوفة الأوائل لم يهتموا بالتدوين، بل بالمجالسة والتربية الروحية. ومع ذلك تجمع المصادر (مثل: السلمي، القشيري، العطار) على الخطوط العامة التالية:
نشأ في أسرة مسلمة صالحة؛ وكانت أمه شديدة الورع، ويذكر أنه كان شديد البر بها.
تلقى علوم الشريعة في شبابه: الفقه والحديث.
ثم مال إلى العبادة والعزلة والخلوة والذكر.
اتخذ طريق المجاهدة: قلة الطعام، طول السهر، كثرة الذكر، والصمت.
ويقال إنه جاب خراسان والعراق طلبًا للمشايخ، لكنه لم يرتبط بشيخ واحد دائمًا، ولذلك اعتُبر من أهل التجربة المباشرة أكثر من كونه صاحب طريقة منظمة.
ثالثًا: منهجه الصوفي
يمثل البسطامي تحولًا مهمًا في تاريخ التصوف.
فالتصوف قبله كان:
زهدًا وأخلاقًا وخوفًا من الآخرة.
أما معه فأصبح:
تجربة روحية داخلية يعيشها الصوفي مع الله.
1- المجاهدة
يرى أن الطريق إلى الله يبدأ بمخالفة النفس، وكان يقول:
“ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك”.
أي أن العبادة عنده ليست قهرًا للنفس فقط، بل تحويلها إلى محبة.
2- المعرفة (المعرفة بالله)
البسطامي من أوائل من تحدثوا عن المعرفة الصوفية، وهي ليست علمًا عقليًا، بل كشفًا قلبيًا؛
فالعقل — عنده — يعرف صفات الله، أما القلب فيذوق حضوره.
3- الفناء
أشهر مفاهيمه: الفناء في الله
والمقصود: أن يغيب شعور الإنسان بذاته أمام عظمة الله، فلا يرى لنفسه وجودًا مستقلاً.
وهذا لا يعني الاتحاد بالله كما ظنه بعض النقاد، بل يعني:
غياب الإحساس بالأنا، لا اختفاء العبد حقيقة.
ثم يأتي بعده مقام البقاء بالله: أي أن يعود الإنسان إلى العالم لكنه متحرر من الأنانية.
رابعًا: الشطحات
اشتهر البسطامي بما يسمى الشطحات: عبارات تخرج في حال الوجد الروحي والانفعال، مثل قوله:
“سبحاني ما أعظم شأني”.
وقد أثارت هذه الأقوال جدلًا كبيرًا؛
فالفقهاء رأوا فيها تجاوزًا، بينما فسّرها الصوفية بأنها لغة حال لا لغة عقيدة، أي كلام صادر عن حالة روحية لا عن اعتقاد لاهوتي.
والجنيد البغدادي — وهو من أعقل الصوفية — اعتبره:
“رجلًا غلب عليه الحال”.
أي أن تجربته الروحية كانت أقوى من قدرته على التعبير المنضبط.
خامسًا: عبادته وأخلاقه
رغم جرأة عباراته، تجمع المصادر على أنه كان شديد التمسك بالشريعة:
كثير الصلاة
دائم الصوم
شديد الورع
متواضع للغاية
ومن أجمل ما رُوي عنه أنه قال:
“لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي”.
أي أن معيار الولاية ليس الخوارق بل الالتزام الأخلاقي.
سادسًا: علاقته بالجنيد والحلاج
يمثل البسطامي أحد طرفي التصوف المبكر:
المدرسة ممثلها خصائصها
التصوف الصحو الجنيد البغدادي عقلاني منضبط
التصوف الوجد أبو يزيد البسطامي عاطفي انفعالي
أما الحلاج فقد تأثر بالبسطامي في فكرة الفناء، لكن الحلاج عبّر عنها فلسفيًا واجتماعيًا، بينما بقي البسطامي زاهدًا منعزلًا.
سابعًا: تأثيره في تاريخ التصوف
كان تأثيره بالغًا، إذ أصبح مصدر إلهام لعدد كبير من المتصوفة:
الحلاج
السهروردي
ابن عربي
جلال الدين الرومي
العطار النيسابوري (الذي أفرد له صفحات رائعة في تذكرة الأولياء)
بل إن مفهوم الفناء والبقاء الذي أصبح أساس التصوف النظري فيما بعد يبدأ فعليًا مع أبي يزيد.
ثامنًا: وفاته وضريحه
توفي نحو سنة 261هـ في بسطام، ولا يزال قبره هناك مزارًا صوفيًا معروفًا في إيران، وبني حوله مسجد وتكية، ويعد من أهم مزارات التصوف في الشرق الإسلامي.
تقييمه الفكري
ينظر إليه المؤرخون بثلاث زوايا:
الفقهاء: رأوا أن شطحاته خطيرة إن أُخذت حرفيًا.
الصوفية: اعتبروه من كبار العارفين بالله.
الباحثون المعاصرون: يعدونه نقطة التحول من الزهد الإسلامي إلى التصوف الفلسفي الوجداني.
خلاصة
أبو يزيد البسطامي ليس مجرد زاهد، بل مرحلة كاملة في تطور الروح الإسلامية؛
فقد نقل العلاقة مع الله من الخوف إلى الحب، ومن العبادة إلى التجربة، ومن الطاعة الجافة إلى الذوق الروحي.
وبعبارة موجزة: