عضو مركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة
لماذا يهمنا هذا؟
لأن ما يُمَسُّ به الوطن في أمنه القومي والفكري يُعيد تشكيل وعي الإنسان، وما يتراخى من حمايته يتسرب أثره المباشر إلى جوهر هويته وإنسانيته. وما لا يُصان بالعمل الواعي اليوم يتضاعف كلفة التعافي منه غداً.
الانتماء الوطني ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا مواقف استثنائية تُستحضر فقط عند وقوع الأزمات الكبرى؛ فالوطنية الحقيقية فعلٌ يومي مستمر، ورباط حارس لا يخضع لزمن دون آخر. لكن الخطورة التأسيسية تبدأ عندما تتحول حماية الوطن من ثقافة حية ومسؤولية أخلاقية ونشاط ميداني إلى مجرد شعارات شكلية ومناسبات موسمية، فنصبح أكثر اهتماماً بإظهار الولاء المظهري من فهم ما الذي يحمي كرامة الوطن والمواطنين فعلاً.
إذا ركزنا على المظهر الخارجي للانتماء فقط، فقد نغفل عن الخلل الخفي الذي يتراكم ببطء داخل بيئات العمل والمجتمع—كالتقاعس عن الأداء، أو التغاضي عن ثغرات التشغيل، أو التفاعل السلبي مع الشائعات—وهي انحرافات صغيرة قد تكون أكثر خطورة على كيان الدولة واستقرارها من الأزمات الشاملة التي نتهيأ لمواجهتها.
السؤال الذي نحتاج إلى طرحه
السؤال ليس ما إذا كنا قادرين على تعريف الوطنية أو استحضار رموزها الخالدة، فقد قطعنا شوطاً كبيراً في ترسيخ مفاهيم المواطنة وأدبياتها. ولكن السؤال الجوهري هو: هل يمكن تفسير أثر صون الوطن في بناء هوية الإنسان بالطريقة نفسها عبر بيئات ومجتمعات تختلف طبيعة تحدياتها ومخاطرها الميدانية والفكرية اختلافاً كبيراً؟
ربما نحتاج إلى خطوة إضافية في طريقة تفكيرنا في بناء الهوية وحماية المقدرات الوطنية: ألا نكتفي برصد مظاهر الانتماء أو الاحتفاء بالرموز، بل نحاول فهم كيف يغيّر سياق العمل اليومي وظيفة هذه الحماية، وطبيعة أثرها، والزمن الذي تحتاجه حتى تصنع أماناً واستقراراً حقيقياً. فلا توجد هوية راسخة بمعزل عن الانضباط الميداني والإخلاص في أي موقع عمل، أياً كان حجمه أو طبيعته.
إن السياق الميداني والفكري لا يصف طبيعة المنشأة أو المجتمع فحسب، بل يحدد إلى حد كبير سرعة كشف التهديدات، وكيف تتراكم الوقاية، ومتى يمكن تجنب الأزمات قبل تفاقمها:
فحب العمل والإخلاص فيه—مهما كان موقع المرء بسيطة مسؤولياته—هو خط الدفاع الأول عن جبهة الوطن الداخلية، لأن سد الثغرات الصغرى في التشغيل والمتابعة يمنع انهيار المنظومات الكبرى.
والتصدي للشائعات ونشر الحقائق الموثوقة يمثل ركيزة صلبة لحماية الأمن الفكري، إذ إن ترك الشائعة بلا مواجهة واعية يشبه إهمال الشرارة الأولى قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم الاستقرار.
قد يبدو موقعان أو مجتمعان متطابقين في رفع الشعارات واستيفاء المظاهر، لكنهما يمثلان قصتين مختلفتين تماماً عندما ننظر إلى ما يحدث للانحراف التشغيلي أو الشائعة المغرضة بعد اكتشافها، ومدى سرعة وجدية التعامل معهما. فقد نعرف أين تقف المجتمعات على خريطة المتابعة، لكننا لا نعرف دائمًا لماذا تنجح بيئة في بناء إنسان متماسك الهوية وحماية استقرار وطنها بينما تتعثر أخرى.
خلاصة القول:
إن هوية الإنسان ليست مجرد مجاورة جغرافية أو شعارات وقتية، بل هي استجابة واعية وحية تُبنى وتتثبت عبر الإخلاص في العمل اليومي، والتصدي الصارم للشائعات، وحماية الوطن على مدار الساعة وقبل أن تتحول الانحرافات الصغيرة إلى أزمات قد تؤثر بشكل أو بأخر.