في أروقة المؤسسات الناجحة المحترمة، لا تُقاس قيمة الطرح باللقب الذي يحمله صاحبه، ولا بالمنصب الذي يشغله، بل بما يُحدثه هذا الطرح من أثر ملموس في البنية، وفي الأداء، وفي خدمة المجتمع. الفكرة الجيدة هي التي تغيّر الواقع، وليس الاسم الكبير أو المحسوبية أو التطبيل والمداهنة هو الذي يمنح الفكرة قيمتها.
لقد تعودنا في كثير من البيئات على منطق معكوس، حيث يُقدَّم صاحب المنصب على صاحب الكفاءة، ويُقدَّم صاحب الولاء على صاحب الخبرة. وهذا المنطق هو بداية التراجع؛ فحين تغيب العدالة في منح الفرص، يتراجع أصحاب القدرات، ويتقدم أصحاب المصالح، وتتحول المؤسسة من كيان منتج إلى عبء ثقيل على الدولة والمجتمع.
إن التحول الحقيقي لا يحدث بالشعارات، بل بمنظومة عادلة تضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وهذا ما تؤكد عليه التجارب الدولية الناجحة؛ فالمؤسسة التي تريد أن ترتقي بمستوى الأداء يجب أن تفتح الباب للجميع بميزان واحد، هو ميزان الكفاءة والإنجاز.
ولتحقيق ذلك يجب الأخذ في الاعتبار عدة محاور هامة، منها:
أولًا: قياس الأثر وليس عدد الشهادات:
لا بد أن يكون السؤال: ماذا غيرت هذه الدراسة في الواقع؟ هل رفعت من كفاءة العمل؟ هل وفّرت في الجهد والمال؟ هل حسّنت من خدمة المستفيد؟
ثانيًا: لجنة نزيهة محايدة لتقييم الأطروحات:
تُشكَّل لجنة من خارج إطار الولاءات، مهمتها فرز الأفكار حسب قابليتها للتطبيق، وحسب العائد المتوقع منها على المؤسسة، وتطويرها بما يضيف لها.
ثالثًا: نشر ثقافة تكافؤ الفرص:
حين يشعر الموظف أن جهده محل تقدير، وأن فكرته قد تصل حتى لو كان في أدنى السلم الوظيفي، فإنه يُبدع. أما حين يشعر أن الطريق مغلق أمام فكرته بسبب غياب اللقب، فإنه ينكفئ، ويفقد مصداقية المؤسسة والقيادة، ويتحول من شخص منتج إلى عبء، أو تمرد يصل إلى اللامبالاة الهدامة.
إن الدول التي نهضت لم تنهض بالمجاملة، بل بالعدل. والعدل هنا هو أن تُعطى الفرصة لمن يستحقها، بغض النظر عن قربه أو بعده من مركز القرار.
المؤسسة المحترمة هي التي تصنع قادتها من رحم الكفاءة، لا من قوائم الولاء، وهي التي تعلم أن الفكرة الصغيرة من موظف صغير قد تغيّر مسار عمل كامل، إذا وجدت من يسمعها ويطبقها.
فلنفتح الباب للعقول، ولنغلق الباب أمام المحسوبية؛ فبذلك فقط يرتفع المستوى ويتحسن الأداء، وهو ما يتفق مع رؤية مصر 2030 في الحوكمة وتحسين جودة الأداء.
المصادر والمراجع:
- رؤية مصر 2030.
- رؤية المملكة العربية السعودية 2030 - محور اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي: وثيقة تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
- تقرير البنك الدولي عن الحوكمة الرشيدة: يؤكد أن ربط الترقي بالكفاءة هو عامل أساسي في محاربة الفساد الإداري.
- دراسة صادرة عن كلية هارفارد للأعمال بعنوان: Meritocracy and Its Discontents - تبحث أثر اعتماد الكفاءة مقابل الولاء على إنتاجية المؤسسة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق