الأحد، 18 أكتوبر 2026

الوعى الرقمى وأجندة الثقافة لمواجهة الشائعات ورفع الوعى عمرو الشرقاوي

في عالم الرقمنة، تحولت الثقافة من رفوف المكتبات إلى شاشات الهواتف. أصبحت المعلومة تصل قبل أن تُطلب، والصورة تسبق الحقيقة. في هذا الزمن، لم يعد السؤال: هل نملك ثقافة؟ بل: هل نملك وعيًا رقميًا يحمي ثقافتنا؟ وهذا هو بالضبط ما انتبهت له الدولة المصرية في رؤيتها للمستقبل 2030.

الوعي الرقمي لا يعني القدرة على استخدام الجهاز فقط، بل يجب أن يُضاف إليه وعيُ المستقبِل:

1.  وعي تقني: أن تعرف كيف تستخدم الأداة.
2.  وعي نقدي: أن تعرف كيف تفرّق بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة.
3. وعي أخلاقي: أن تعرف متى تنشر ومتى تحجب، وأن تدرك أن الكلمة في الفضاء الرقمي لها أثر يبقى.

الوعي الرقمي في قلب رؤية مصر 2030

لم تضع رؤية مصر 2030 الثقافة في جانب والتحول الرقمي في جانب آخر، بل جعلتهما مسارًا واحدًا. وهذا يظهر في مجموعة محاور واضحة، منها:

المحور الاقتصادي (بناء اقتصاد رقمي معرفي):
الرؤية تؤكد على بناء اقتصاد تنافسي ومتنوع يقوم على المعرفة. وهذا الاقتصاد لن يُبنى بموظف يجيد الكتابة على الورق، بل بمواطن يجيد التعامل مع المعلومة الرقمية، ويحولها إلى قيمة مضافة. فالوعي الرقمي هنا هو أداة الإنتاج.

المحور الاجتماعي (بناء الإنسان المصري):
وهذا هو جوهر الرؤية. الهدف ليس توفير إنترنت سريع فقط، بل بناء إنسان قادر على استخدام هذا الإنترنت في التعلم والإبداع وحماية هويته. الوثيقة الرسمية للرؤية تنص على الاستثمار في البشر وتعزيز الهوية الثقافية. ولا يمكن حماية الهوية الثقافية اليوم دون وعي رقمي يميز بين الانفتاح المطلوب والذوبان المرفوض.

محور الحوكمة (ثقافة رقمية آمنة):
الرؤية تدعو إلى حوكمة رشيدة للدولة. والحوكمة في العصر الرقمي تعني الشفافية في المعلومة، ومحاربة الشائعات، وحماية البيانات. المواطن الواعي رقميًا هو شريك للدولة في الحوكمة، لأنه لا ينشر شائعة تضر بالاقتصاد، ولا يتداول خبرًا يهدد السلم المجتمعي.

ويبقى السؤال:

رغم وضوح الرؤية، لا يزال التطبيق في المؤسسات الثقافية محدودًا. نحن ننظم معارض للكتاب، وهذا جيد، لكن أين برامج محو الأمية الرقمية؟ نحن نتحدث عن التراث، وهذا واجب، لكن أين جهودنا لرقمنة هذا التراث وحمايته من الضياع والسرقة الرقمية؟

لقد بنينا بنية تحتية رقمية قوية، لكننا لم نبنِ بعد بنية وعي موازية لها بنفس القوة.

ولتنفيذ الوعي الرقمي في أجندة الثقافة، يمكن أن يُعرض في عدة نقاط:

1.  تفعيل محور الثقافة الرقمية في الرؤية: تحويل قصور الثقافة إلى مراكز للتدريب على المواطنة الرقمية.
2.  ربط مؤشر الأداء الثقافي بمؤشر الوعي الرقمي: لا نقيس نجاح بيت الثقافة بعدد الندوات، بل بعدد المستفيدين الذين تم تدريبهم على إنتاج محتوى رقمي هادف.
3.  مبادرة قومية للمحتوى المصري: إنتاج محتوى رقمي مصري بلسان العصر يغزو المنصات، بدلًا من ترك الساحة لمحتوى مستورد يهدد قيمنا، أو لجهل يسيطر على عقول المتلقي بمعلومات مضللة.

وفي النهاية:

رؤية مصر 2030 لا تريد مواطنًا يستهلك التكنولوجيا فقط، بل تريد مواطنًا يصنعها ويوجهها. والوعي الرقمي هو الجسر الذي يربط بين أجندة الثقافة وأهداف الدولة.

فمن لا يملك وعيه الرقمي، لا يستطيع أن يبني مستقبله، ولا أن يحمي هويته.

بعض المصادر:

1.  وثيقة رؤية مصر 2030 - النسخة المحدثة - وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، المحور الخاص بالتحول الرقمي وبناء الإنسان.
2.  وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، استراتيجية مصر الرقمية.
3.  منظمة اليونسكو، إطار كفاءات التربية الإعلامية والمعلوماتية.
4.  تقرير المرصد المصري التابع لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار حول مؤشرات المواطنة الرقمية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أقرا ايضا